أبهرني ابن عمتي حين أخذني الى طابعه غريبه وقال لي أدخل 20 ريال وسيظهر لك مائه كرت واختار الصورة التي تريد واكتب ماتريد وكان هناك صورتين غير واضحيتن في الجهاز وكأن أحدا ً ما وضع عليها ورق لا صق وبجانب ماكينة الطباعه يقف رجل من الفلبين وقلت لابن عمتي ماذا يوجد خلف هذا الورق اللاصق فقال لي صورة فتيات شعرهم طويل فقط فسألته هل هي صور خليعه ، قال لي لا هي فقط مجرد وجوه نساء شعرهم طويل ، فسألته اذا من وضع عليها الشريط اللاصق ، فقال لي رجال الهيئة فقلت له : كنت اظنكم متطورين فضحك كثيرا واضطررت لان أرشو العامل الفلبيني ليختار لي صور الفتيات ويطبعها لي وهذه كانت اول رشوة لي في حياتي وهذا ماحصل اخذت الكروت وشاهدت رسام يرسم الوجوه بقطع الفحم فطلبت منه أن يرسم صورتي أنا أيضا وتعرضت للتهزيء من رجل متدين لا اعرف من هو وقال لي ان الرسم حرام وأنه مثل الخلق والله خلقنا في احسن صورة وأنني ان كنت مصمم على أن يرسمني هذا الرجل فمن الاولى أن يضع تحت رأسي خط كي لايصبح الرسم تشبيها لخلق الله فضحكت كثيرا ً وقلت هل تعتقد ان كانت الصورة بدون خط تحت الرقبه هي ليست تشبه بمخلوقات الله وبدون خط هي كذلك إذا هل الرسم أصبح حلال بمجرد وضع خط تحت رقبة كل انسان وحيوان ومارأيك ان نستبدل هذا الخط بعقد من اللؤلؤ او سلسال من الذهب فبدأ يدعو لي بالصلاح وتركني وانصرف وحينها اخذت الصورة ووضعتها حيث كانو أقاربي يجلسون وذهبت لألعب في لعبة السيارات المتحركة وصعدت سيارة لونها اصفر فاتح ودست على البنزين وبدأت اقود بين السيارات الاخرى بمهارة هذا لأني في الحقيقه امتلك سيارة حقيقية وهؤلاء ليس لديهم سوى سيارات لعبة اصطدمت بي فتاة من الخلف ومن ثم اصطدم بي شاب من الامام وهربا وبدا يضحكان ولم أكن اعلم أنهما أخ واخته فتركتهما وعاودا الاصطدام بي من جديد والضحك بصوت عال فـ أدركت انهما متفقان ان يصطدما بي طوال الجولة وقلت في نفسي سوف اخرج لكم مهارة القيادة في ملاهي الردف وانتظرتهم الى إن اقتربا مني ليصطدما بي من جديد فادرت عجلة القيادة الى اليسار كثيرا ً وهي حركه قد لايعرفها الا المبدعون في عالم ملاهي السيارات وهذه الحركه تجعل السيارة تعود للوراء وتدور وكانها تفحط بحركة الريوس مثل ما يعرفها الشباب امثالي اصطدم الشاب بالفتاة واندهشا من الحركة واقتربا مني وسئلاني كيف قمت بها وقلت بغرور : ايش عرفكم انتو مثقفين انتو كمحاولة مني لتقليد عادل امام في مسرحياته الشهيرة , انتهت الجولة وكنت ساغادر فصرخت الفتاة الى أين فقلت لها بكل براءة أقصد بكل غباوة : خلاص انتهت اللعبة ، فقال لي : تعال سوق انت سيارتي انا معايا دفتر تذاكر نظرت اليها وكنت انظر الى اخاها الذي كنت اظن انه سيصرخ بها او سيقول شيء ولكنه قال بكل براءة : تتحدوني يعني ها وانا قلت بسرعه : ايوة ياحبيبي نتحداك ، ( ياعيني على سرعة البديهة ) بمجرد ان جلست بجانب الفتاة قالت الا تريد أن تسوق أنت ( تقود أنت ) قلت لها : اذا لم يكن لديكي مانع ، وظننت أنها ستقوم من مكانها وتستدير نحو السيارة وتركب بجانبي لكنها قفزت وسقطت فوقي وضحكت قالت : خلاص تعال هنا تبدلت ملامح وجهي كثيرا ً ونظرت لأخاها الذي كان كل شيء في ملامح وجهه يدل على انه ثور هائج وليس هذا الثور هو الثور الذي سيفرمني لانه شاهد اخته جالسه فوقي بل هو الثور الذي ينتظر بداية الجولة لكي يصدمنا بسيارته مرارا ً وتكرارا ً وكأننا نحن ضحيته الاولى والاخيرة
بدأت الجولة وبدأت احاول الابتعاد عنه بقدر الامكان وأن أثبت مهارتي في القيادة ولكني اندهشت حين وضعت تلك الفتاة رأسها على كتفي وقالت لي نزل يدك الثانية على كتفي لان مافي حزام امان في السيارة وهنا أيقنت ان نواياها أبدا ً ليست سليمه وبدات اقود سيارتي واتحسس بيدي على جسدها وهي كانت كما يبدو في عالم آخر والى ان انتهت الجولة وانا احاول الابتعاد عن ذلك الثور الهائج الذي كلما صدمنا بقوة كلما اعطانا فرصه لنحضن بعض بقوة واكثر وان نمثل ان رؤوسنا سقطت الى الاسفل لاضع قبله على خدها وتضع قبلة على خدي ثم طلبت مني ان تقود وقامت بالمرور من فوقي واصبحت انا بجانبها وهنا كنت امثل انني اعلمها القيادة على طريقة اهل الطائف في حين انني في الحقيقة كنا أنا وهي لا نقود سوى انفسنا حين بدات الجولة الثالثة اقتربت فتاة وصرخت : سهير خلاص هذه اخر جولة لكي نبغى نرجع البيت قالت لي سهير وبسرعه : من أين انت جاوبتها بطريقة أسرع : أنا من الطائف وكنت حينها أضع رقمي في جيبي وأريد أن أخرجه لاهديه لها ولكنها نظرت إلي بيأس وقالت : فرصه سعيده يا ابن الطائف وذهبت لم أفهم ماذا حدث مع تلك الفتاة ولكني مع الايام فهمت فهمت انه ليس هناك حظ فقط وليس هناك القدر فقط هناك شيء أخر شيء جديد مفهوم ليس ببسيط اسمه المسافة
في اليوم التالي ذهبنا الى مطار الظهران واقلعنا عائدين الى مدينة الطائف وكنت انظر لابناء عماتي وهم يرقمون الفتيات في الطائرة ويضعون اياديهم على طرف الممرات كي تلامس مؤخرة المضيفة حين تمر من هنا ومن هناك ناهيكم عمن يصطنع الغباء ويدعي انه لايستطيع ربط الحزام كي تربط المضيفة له الحزام وبالرغم أنه كانت هناك من تريد رقمي وبشدة الا انني لم يكن لي ادنى رغبة في ذلك لانني كنت افكر في سهير وماذا لو انها كانت تسكن في الطائف بعيناها الوسيعتان وبلونها الخمري الفاتح وبشعرها الاسود الطويل وبصوت ضحكتها وبصمتها حين تضع رأسها فوق كتفي وبصرختها عندما كان يصدمنا ذلك الثور أخاها كانت أجمل صرخه سمعتها في ذلك الوقت
عدت الى منزلي بسلام والى غرفتي وهاتفي اللاسلكي واتصل بي حامد و وليد ليباركان لي عودتي وعودة هاتفي وبدات أخبرهم بما حصل معي من اهم الاحداث في المنطقة الشرقيه وبانني زرت الجبيل والخبر و الدمام وأن البحر لديهم اجمل من بحر جده بكثير ولكنه تقريبا خالي من الانس والجن وربما هذا هو سبب جمال البحر لديهم واخبرتهم بمجمع الراشد وبأن لديهم نافورة يخرج منها النار وبالطبع لم يصدقاني فـ النافورة يخرج منها الماء اما خروج النار من النافورة فهذه اما ان تكون احدى قصص الخيال العلمي التي قرأتها بروايتي المصرية ملف المستقبل أو انها احدى علامات ظهور الاعور الدجال او انها احدى علامات القيامه الكبرى ، ثم بدات اقول لهم كيف تخرج منها رسوم الليزر والموسيقى فقالا لي أن تخرج منها النار ربما يكون هذا بركان صغير لكن موسيقى ورسوم فهذا بالتأكيد يدل على أنك اخذت بعض الروايات الخياليه معك الى المنطقة الشرقيه ورغم أني أقسمت لهم الا انهم لم يصدقوني ابدا
وفي اليوم التالي بدأت أتذمر من وليد ومن وحامد وقررت ان اتركهم لبعض الوقت وان أخرج مع نادر وهو اخو حماد الذي يوافقني في نفس العمر وأصبحنا نذهب سويا ً وذلك منذ انتهاء اليوم الدراسي الاول بعد عودة الطلاب من إجازة الحج وتلك كانت تعتبر فرصة لنادر وليست فرصة لي انا فـ نادر رغم تفكيره الكبير الا انه سيء الحظ دائما ً وذلك لإصراره الدائم على ارتداء الطاقية بشكل مائل مما يدل على انه فتى مشاكل وليس فتى معاكسات وانا كنت لا أريد ان أقضي الوقت بمفردي ومع نادر أصبحت شهيتي للطعام مفتوحه فنادر كان في ذلك الوقت بطولي تقريبا ً ولكنه كان رغم انه يفطر في المدرسة 3 مرات ويتغذى في المنزل ويأكل ثلاثة أكياس بطاطس تسالي بالشطة في العصر هذا غير بليلة فن زمان التي في الردف وغير كوب الذرة الذي يباع في مركز العنود الا انه يتعشى طبق اسكنرد كامل من مطعم الطيبات معي كل يوم بعد صلاة العشاء مباشرة ويعود الى المنزل ليتناول طعام العشاء مجددا في منزله ً والادهى والأمر من ذلك أنه يلتهم كل هذه الوجبات منذ كان طفلا ً إلى اليوم ولم يزداد وزنه ولو بمقدار واحد كيلوجرام ولا اعلم اين كان يذهب الطعام الذي يلتهمه وفي الحقيقه كنت احسده على هذه الصفه فهو يأكل مايشاء ساعة مايشاء ولا يقوم بأي تمرين رياضي ولا مجهود يذكر ومع ذلك لايزداد وزنه ابدا ً وكلما أفتح له هذا الموضوع يقول لي بصوت عال ٍ جدا ً : ياخي قول ما شاء الله ياخي ألف ماشاء الله عليك بس كيف تجي هذه
كان أصدقاء نادر مختلفين جدا ً عنا نحن فلقد كان كل أصدقائه يهتمون فقط بلعب البلوت فوق احد أرصفة الردف أو القيام بمباراه حامية في إحدى الملاعب أو الجلوس في الحديقة ليلعبون لعبة الكبريت والاحكام ويلسعون يد فلان ويخترعون حكم لا يطاق على فلان وكثيرا ً مايخرج نادر من المنزل ومعه ثلاجة شاهي وسجادة حمراء وفناجيل ويقوم بالجلوس في أرض خام وكل من يمر من هناك ويشاهد نادر معي سيظن أننا أصحاب هذه الأرض او اننا نفكر بجدية في شرائها في أقرب وقت لاننا كنا الوحيدين ممن يجلسون هناك واظننا نحن من لفتنا نظر سكان الطائف للجلوس في ذلك المكان ، وأحيانا ً كنت أشعر ان نادر يغار من ذلك السكران الذي ينام فوق خزان المياه في الحديقة فأجده يأخذني إلى جبل المفتى في وسط مدينة الطائف بالقرب من شهار ليجعلنا نقوم بلعبة الكبار والتي قواعدها هي كالتالي : من يستطيع ان يحدد مكان مقترح منا نحن الاثنين قبل الآخر سيدفع حساب العشاء فتجدنا نحاول تحديد موقع منزله او منزلي أو طريق الهدا او الشفا أو حتى سجن مسرة وكان غالبا ً مايفوز هو لدرجة انني اعتقدت أنه يحضر في الليل ليحفظ الاماكن ومن ثم يبارزني عليها في اليوم التالي .
في انتهاء يوم الاحد توافق أن لدى نادر اختبار مادة النحو والصرف ولدي أنا أيضا ً لكن الفرق بسيط بالنسبه لي وشاسع بالنسبة لنادر فأنا لن اكلف نفسي أن أنظر الى الكتاب لآنني سأنجح في النهاية بصفتي طالب في مدرسة اهلية أما هو ولأنه في مدرسة حكوميه فعليه أن يذاكر جيدا ً ، وقصدني نادر لكي أشرح له مادة النحو والصرف لآنه لم يكن يعلم انني لا أذاكر وأنجح وفي الحقيقة تورطت فقلت له ما رايك ان تحضر معي لكي انهي بعض المتطلبات التي طلبها مني اهلي ومن ثم سأشرحها لك ، وافق نادر فوراً لأنه كان يبحث عن أي سبب يجعله يخرج من المنزل ويفهم مادة النحو والصرف في نفس الوقت وفي الحقيقة انا كنت اريده ان يقضي معي بعض الوقت وسوف أنظر الى دفتره الذي أحضره معه وسوف اقول له أننا لم ندرس هذه المواضيع الى الان وان مدرستكم الحكوميه متخلفه جدا ً ماكل هذا الهراء كانت هذه اعذاري التي ساتخلص منها من شرح المادة لنادر في نهاية اليوم ، وبمجرد أن حضر نادر بعد صلاة المغرب الى منزلي وركن سيارته وصعد معي بسيارتي انطلقنا الى سوبرماركت العنود والذي كان في ذلك الوقت وكانه كارفور مول وبدأت أنا أملئ العربة بمختلف الحاجات من العيش الصامولي المخصص لساندوتشات الفسحه في المدرسة الى اللبن المخصص لعشاء اليوم وبينما كان نادر يسير بجانبي وكلما شاهد فتاة يبتسم لها فقط دون أن يفعل أي شيء اخر وكان كلما ابتسم كلما ازدادت درجة ميلان طاقيته البيضاء - التحفة الأثرية - فوق رأسه.
أعدنا الحاجات إلى المنزل في حين طلبت مني والدتي أن أقوم بتوصيل بعض الأغراض إلى منزل صديقتها والذي كان بجوار الحديقة فلم أرفض لها طلبها بالطبع فانا في كلتا الأحوال ذاهب ٌ إلى هناك ومعي سعادة الاستاذ نادر بمجرد أن اقتربنا من الحديقة وقعت عيني على تلك الكرسيدا البيضاء موديل 1980 من مسافه بعيدة فطلبت من نادر ولأنه دائما يفوز في قنص المواقع البعيدة من فوق جبل المفتي أن يقرأ لي رقم لوحة تلك السيارة والتي لا اعلم أنني حفظتها عن ظهر قلب الا عندما طلبت منه أن يقرأها لي وكانت الصدفة غير معقولة حين قال لي نادر تلك الارقام فبمجرد أن قال 224 أكملت له أنا بقية الارقام وقال : صح صح انها متطابقة فزودت من سرعة السيارة مباشرة وكاد رأس نادر أن يرتطم بالزجاج الامامي وكادت طاقيته المائلة الأثرية على وشك ان تطير من نافذة السيارة وهو يصرخ ويقول : اعصابك أعصابك ايش فيه ، وأنا أقول له هذه هي سيارة الفتاة التي حدثها عنك أنت وأخاك حامد , ويبدو أنني بمجرد ان قلت هذه الكلمات لنادر بدا بتدقيق النظر وكأنه برج مراقبة وقال لي لقد توقفت السيارة في أخر الحديقة
اقتربنا أنا ونادر من السيارة وشاهدتها وهي تخرج من السيارة ومعها والدتها واخواتها وصديقات والدتها وكانت تقرص يد اختها الكبيرة وتشير على سيارتي ربما هي أيضا ً كانت تقول : هذا هو .
فقال لي نادر : بما انهم سيكونون في الحديقه فدعنا نوصل الاغراض سريعا ً الى منزل صديقة والدتك ونعود للحديقة. وهذا ماحصل بالفعل أوصلنا الأغراض وعدنا وكأننا نقود سيارة فيراري الطراز الاخير وتوقفنا بجانب رصيف الحديقة وخرجت من السيارة وطلبت من نادر الخروج فقال لي لا أستطيع الان ، ذكرني حينها بطالب في نفس الصف كان يقول له المدرس : قوم فز على رجولك وجاوب فيقول نفس هذا الكلام : لا استطيع الان ، فقلت له : هذا وقته يانادر الله يرجك ، وتركته وانصرفت لان الحديقة كبيرة جدا ً والمعاكسون أكثر وهذه زيارتها الاولى
كانت تسير وتتلفت الى الوراء ووالدتها وصديقات والدتها أمامها واختها الكبرى بجانبها واختهم الصغرى سبقت الجميع الى مرجيحه أكلها الصدأ منذ زمن بعيد وراحت والدتها تصرخ على اختها الصغيرة التي كانت تركض من المرجيحه الى الزحليقه ومن الزحليقه الى ذلك الدولاب الذي تقف بوسطه وتضع يديك امامك وتباعد بين قدميك وتحاول الركض فيه مثل فأر التجارب الذي نشاهده في معامل ومختبرات الافلام الخياليه والعلميه فقط
حضر نادر أخيرا ً وأقترح ان نجلس أنا وهو في مكان بعيد ونراقبها ألى أن تجلس والدتها وصديقاتها ومن ثم نقوم بالدوران حولهم كي تقوم هي بدورها مرة أخرى ولا بد انها ستفعل مثل كل الفتيات اللواتي يذهبون الى دورة المياه في طرف الحديقة وهو بالرغم انه مكان قذر الا أن اخطر واجرأ عمليات الترقيم تحصل هناك قبل او بعد خروج الفتيات من دورة المياه حيث يتجمع جيمع انواع الشباب هناك الراقصون والمتزلجون والمشخصين واصحاب الدراجات أيضا ً ولكن لم يحدث هذا ابدا ً
ذهبو للجلوس خلف الخزان في منطقه هادئة بعيدة عن الاصوات المزعجة وعن جلبة وصراخ الاطفال والمراهقين في الحديقه وجلست هي واخواتها أيضا ً وانتظرنا انا ونادر خمسة عشر دقيقه قبل أن نقوم بالسير بالقرب منهم ونضع أيدينا على رؤوسنا ونشير باتجاه دورات المياه وكأننا نسرح خصلات شعرنا الخشنة يالها من فكرة ولكنها نجحت فلقد فهمت الاشارة وقامت هي واختها الكبرى والصغرى ولكنهم لم يتوجهو إلى دورات المياه بل اتجهو الى احدى المرجيحات الجديدة وجلست تلك الطفلة الصغيرة تتمرجح وجلست أختها الكبرى تسحبها للوراء وتدفعها للأمام في حين أن الفتاة التي لم تفارق عيناي تحركاتها اتجهت للجلوس على كرسي في طرف الحديقة و لوحدها ...
دعيني أهمس لك بسر مازلت أتذر كل شيء كيف التقينا وكيف انتهينا أمر بتفاصيل اللقاء الاول أتوقف عند قارعة السطور أفتش عن مكان مهجور لأدفن مالا يدفن لآخبئ مالا يخبئ لآحرق مالا تقوى على التهامه ألسنة النيران
لمن لايعرف حديقة السداد فهي حديقة مربعة الشكل تقطعها الكثير من الأرصفه على شكل خطوط طولية وعرضية مما يجعل بداخلها مئات المربعات الصغيرة التي تمتلئ مساحاتها بالاشجار والمراجيح والزحاليق والدواليب الدائرة والمقاعد التي كانت اما بشكلها المتعارف عليه واما بشكلها الشجري وكأنهم قامو بقص شجرة كبيرة ليصنعو منها مائدة طعام مستديرة الشكل ويضعون حولها خمسة مقاعد صغيرة مستديرة الشكل أيضا ورغم ان شكلها غير جميل ورغم انها غير مريحة للجلوس ، فلقد كانت تجلس هناك بجانب المقاعد من الجهة اليمنى للرصيف حيث دفعني نادر الى الامام وقال لي : حانت فرصتك للذهاب
بدأت أتجه نحوها وأشاهدها وهي تخرج من حقيبتها مراية صغيرة مخصصة للاطفال الذين يحبون ألعاب باربي فقط لكي تتأكد من تسريحتها ومن أن كل شيء على مايرام من أحمر خدين واحمر شفايف وبودورة والخ ولا ادري لما كانت تضع كل هذه المساحيق للذهاب الى مجرد حديقة ولا اعلم كيف لم يخطر على بالها ولو لمرة انها فائقة الجمال وبدون هذه المساحيق ، وكلما اقتربت منها كنت أعصر أفكاري بشدة ماذا أقول لها ولماذا هذه الفتاة حظي سيء معها فلكي أعطيها رقمي أحتجت إلى سبعة عشر يوما ً وحين اتصلت على هاتفي قام والدي بتحيوله الى هاتف خاطئ لمدة سبعة عشر يوما ً أيضا ولا أدري هذه المرة ماذا سيحصل وماذا سأقول إن سئلتني لماذا هاتفك مفصول وأين كنت ومن هذهى الاسئلة التي قد تضعني في موقف شديد الاحراج وأرتأيت أن لا أجلس مباشرة معها بل أقول لها كلمتين وأشاهد درة فعلها تجاه ما سوف أقول ثم أحدد ماذا أفعل
حين أقتربت منها أدارت وججها نحو أخواتها ولكن كانت تراقبني بطرف عيناها وكانت هناك ابستامه مرسومة على شفتيها وكانت أجمل بكثير من جميع المرات التي شاهدتها فيها وأنا منصرف من المدرسة أقربت منها وبدات انظر خلفي وأمامي وعن يميني وشمالي لكي أتأكد أن لا أحد يسمعني ولكي آخذ راحتي في أي تصرف سأقوم به وحين أصبحت على بعد عشرة أقدام منها قلت لها :
- أظن أني شفت القمر هذا قبل كذا بس فين .. فين .. فين .. مادري فين ؟
ورغم أن ابتسامتها اتسعت قليلا ً الا أن تلك الأجزاء مرت وكأنها نصف دهر وكنت اظن أنها لن تتفوه بكلمه ولم أكن أعلم أنها كانت ترغب مني الجلوس بجانبها ومخاطبتها وجها ً لوجه وشعرت بنوع من الاحراج والغضب من صمتها الثقيل واستدرت لأعود الى نادر لولا أنني سمعتها تقول :
- حتى أنا الشمس هذه أشوفها كل يوم تشرق وتغرب من عند المدرسة
كانت كلماتها هذه مثل الماء البارد الذي شعرت به يسير في أرجاء جسدي كاملة فعاودت الاستدارة نحوها وكان في الجهة المقابلة من الرصيف مقاعد شبيهة بالمقاعد التي تجلس عليها ولا أعلم لماذا فضلت أن أجلس في الجهة المقابلة التي بعد الرصيف بدلا ً من أجلس على نفس طاولتها وبجانب مقعدها ربما كان غباء ً مني وربما كان خوفا ص مني أن تشاهدني والدتها أو احدى صديقات والدتها . جلست على المقعد وبدات أتحدث بأنفاس يصحبها صوت نبض قلبي المتزايد في الارتفاع وبمجرد أنني حاولت أن أدير الحوار بيني وبينها وإذا بها تقوم من مكانها وتقطع الرصيف لتجلس بجانبي مما زاد من توتري وسرعة ضربات قلبي ومما ادى أيضا إلى اتساع أعين نادر الذي كان سيفضحنا وهو ينظر الينا بأفواه مفتوحه واعين محدقة وهو يدير ويعصر دفتر مادة النحو والصرف بين يديه وتسمر بالقرب منا بشكل غريب .
- بصراحه خفت انك تتكلم وما اسمعك فقلت اقرب منك وأجلس جمبك - لي الشرف هو انا أطول ان القمر يجلس جمبي بس انا خفت اهلك يقومو وينتبهولك - لا هما اذا جلسو خلاص ماعاد يقومو أبدا ً - ليه يعني ؟ - هههههه خلاص بس كذا - بصراحه أنا ماني مصدق نفسي إني شايفك هنا وانك جالسة جمبي - أنت بصراحه رافع ضغطي - ليش - الحين جلست شهر الين ماعطيتني الرقم وفي النهايه كلمتك يوم وثاني يوم مفصول - مو شهر سبعة عشر يوم بس - يعني ماشاء الله حاسب - ايوة - هو انفصل فترة ورجع وانا اقلك هو من ثاني - لا انا حافظته - يعني مارميتي الورقة ولا شقيتيها ( مزقتيها ) - لا بصراحه شكلها عاجبني والقصيده اللي فيها كمان - اهم شي انها عجبتك - ايوة بس ايش يعني ما شايف ومشيوف - يعني ما اشوفك ولا تشوفيني - اها , طيب انت كاتب حرف الميم في الميدالية ايش اسمك ؟ - ايش تتوقعي - مادري والله انا بدون سبب جالسه اكتب حرف الميم بالعربي وبالانجليزي في دفاتري - طيب انتي إيش جا على بالك اسم - مادري والله - انا اسمي محمد - عاشت الاسامي يامحمد - عاشت ايامك - والقمر ايش اسمه - انا اسمي مريم علشان اسمك محمد - اها , يعني هذا اسمك ولا اسم الشهرة - ههههه شهرة الله يسامحك بس يعني ايش حيشهرني في ايش ولا مع مين - لا من جد ايش اسمك - اسمي وجنات او وجدان انت اختار - هذا الكلام اللي ما اتفقنا عليه - هههههههههههههههههه خلاص وجدان - ولو اني غير مقتنع بس عاشت الاسامي - عاشت ايامك - ممكن اقلك على شي - اتفضل قول - انتي لما تخرجي من البيت تقرأي آية الكرسي والمعوذات ولا لأ - لأ ، بس ليش يعني - الجمال هذا كله وماتحصني نفسك ماتخافي أحد يحسدك - سجل لمشاهدة الصورشكرا على المجاملة - بس أنا ما أجاملك انا من جد أتكلم عارفة إني لما شفتك أول مرة لما استلمت شهادتي في الفصل الدراسي الأول ولما كنت خارج من المدرسة في أول يوم بعد الإجازة وشفتك بنظارتك الزهرية حسيت إن قلبي وقف وجلست أتأملك وإنتي ترخي نظارتك وأتأمل في خصلات شعرك اللي كانت نازلة من طرحتك وكنت اتمنى فعلا ً لو ماكان الموقف هذا حصل في وقت انصراف الطلاب كنت وقتخها ماراح أقلك ممكن الرقم كنت وقتها ممكن اجلس أتكلم معاكي العمر كله وأنا واقف جمب سيارتكم.
- ياه أنا ما اقدر على الكلام هذا كله - بس الكلام هذا خارج من قلبي - لا إنت من يوم كتبت القصيدة شكلك شاعر وتجلس تقول كلام بلباقة - وليه ما أكون رومانسي - طيب إسمع أنا خايفة أهلي يفتقدونا وخلاص أنا عارفه رقمك وبكره اتصل عليك - أيوة , صح ليه ما اتصلتي في الوقت اللي حددت لك هو في الورقة - طيب أنا بكرة أتصل عليك الساعه خمسة في العصر وأفهمك ليش أوك - أوك - يلا نشوفك على خير - وجدان - هلا - انتبهي على نفسك - :) وانت كمان
غادرت وأنا مازلت جالس على المقعد واتأملها وهي تركض نحو اخواتها وتضحك وتاخذهم لتعود الى المكان الذي تجلس فيه والدتها وصديقاتها وعدت انا إلى نادر الذي مازال على الوضع الذي رأيته فيه متسمر العينان متباعد القدامان ويعصر بيده دفتر مادة النحو والصرف وطاقيته نزلت إلى أن كادت ان تغطي حاجباه وهو يقول لي : - يلعن شكلك ، إيش سويت وإيش قلت وإيش تكلمتم - نركب السيارة وأقلك - بس شوف هذا الرجال وحرمته من أول يطالعون فيك - الله يفضحك هذا زوج وحده تقربلنا وهذه حرمته تعرفني - فضيحتك راح تصير بجلاجل - مو مني والله من غبائك واقف متسمر هنا كأنك تقول للناس عندنا مصيبه طيب روح تحرك تلحلح - ياخي كنت أبغى أتفرج - لا ياشيخ طيب اجلس في أي محل وأتفرج لازم توقف كذا زي الحرس الملكي - هههههههههه مشينا بس مشينا لسه أبغاك تفهمني مادة النحو والصرف - والله يانادر بعد اللي حصل اليوم أنا ما أقدر أشرحلك ولا كلمة - طيب كيف يعني - يعني تصرف والله أنا في عالم ثاني - من حقك ياعم - اقول خلك ساكت ولا يكثر
قمت بالعودة إلى المنزل ونزل نادر وأخذ سيارته وأنصرف بينما صعدت انا إلى المنزل وقلت لوالدتي أنني تناولت طعام العشاء في الخارج وأنا أذاكر مع اصدقائي وأنني أريد أن انام باكرا لأستيقظ مبكرا وأراجع المادة ولا أريد من أحد أن يزعجني أو ان يطرق باب غرفتي ولو بالخطأ ، فاستجابت لي والدتي طلبي الغريب من نوعه ودخلت الغرفه واغلقت النور واستلقيت على سريري وبدأت انظر الى سقف الغرفة وأفكر
لماذا لم أضع يدي على يديها أو حتى أن أقوم بالاقتراب منها اكثر أو أقوم معها بما قمت به مع سهير لماذا كان قلبي ينبض بهذه القوة وكنت ألتقط انفاسي و أنا أتحدث معها رغم انني لطالما تحدتث مع فتيات أكبر وأصغر منها في العمر وهل اخطئت وانا احدثها او قلت كلاما ً سخيفا ً وإن كانت هي عجبتني حقا ً فهل أعجبتها أنا أيضا ً ولماذا مازالت تحتفظ برقمي الى الان بل حتى انها تحفظه عن ظهر قلب وماهو هذا الشعور الغريب فهذه الفتاة لم تحرك بداخلي أي شهوة ولكنها أحدتث الكثير من الفوضى فيداي كانت متعرقتان وكنت اشعر بالتوتر الشديد ونبض قلبي كان بامكانه ان يزعج كل من في الحديقة ولماذا كذبت وقالت ان اسمها مريم ثم وجنات ثم وجدان أم كما قال وليد ذات يوم لا أحد يعترف بالحقيقه الا بعد تعارف طويل ومرور وقت على العلاقة ليس بقصير ,
كانت تشبه ياسمين عبدالعزيز في ملامحها وفي شقاوتها وفي غضبها أيضا ً بل أنها كانت تشبهني أيضا ً فهي الفتاة الوحيدة التي منذ تعرفت عليها وإلى أن افترقنا لم تبكي في يوم ولم تتباكى حتى كانت شخصيتها قوية جدا ً وكانت إذا ماغضبت أو حزنت تصرخ لم تكن لتبكي أبدا ً وهذا كان وجه الشبه الأول بيننا أما وجه الشبه الثاني كما يقول قريبي " يزن " أنها كانت الخصم الأول لي والند الأعظم كانت تحبني بطريقة المنافسة وليس بطريقة الانقياد والطاعه كانت تحبني بطريقة التضحيه والعطاء وليس بطريقة " خذ قد ماتقدر "
سجل لمشاهدة الصور
هل تذكرين َ قصة َ الشمس ِ والقمر عندما كنت ُ مارا ً من فوق ذلك الرصيف من بين ِ كل ِ تلك َ الأشجار وكأننا في جنة تملئها الزهور وتطوقها البساتين هل كنتي لتسمعي صوت نبضي هل كنتي لتدركي صراخ قلبي ولهفة يداي لتمسك بيديكي الصغيرتين يا أنت ِ ياطفلة ً كبرت ولم تكبر حتى الآن مازلت اتذكر كل تلك الأيام وأعود إلى الوراء أعواما ً و اعوام هل كنتي لتعلمين أنني في يومها أبدا ً لم أنام لم تغمض عيني ولكني مررت بمئات ِ الأحلام وتذكرت تفاصيلك كلها مئات المرات يا أنت ِ كانت الساعة الثانية والنصف كنت أشعر أن قلبي قفز إلى سقف الغرفة وانقسم نصفين نصفه الأول عاد إلي ونصفه الآخر سافر إليكي وعندما كبرت ُ قليلا ً علمت أن كلا النصفين مازالت لديكي
لم انم الا حين سمعت صوت الأسد الذي كان يأزر من حديقة الحيوانات كل لية في حوالي الساعه الثالثه بعد منتصف الليل مما نبهني إلى ان الساعه أصبحت حقا ً الثالثه فجرا ً وكنت دائما ً أتسائل لماذا يزأر هذا الأسد كل ليلة في مثل هذا الوقت هل هو حقا ً جائع أم هل هذه إشاة إلا انه مازال حيا ً ام انه مثلي يتألم من نبض قلبيه ويصرخ بقوة لعل صوته يصل إلى من لبوة بعيدة يحبها بعنف
إستيقظت على صلاة الفجر وقمت بتوصيل والدتي الى كبري الحلقه هناك حيث ينتظرها مجموعه من المدرسات ليذهبون يوميا ً في مغامرة مع اخطار الطريق ليدرسون في مدرسه لا يتجاوز عدد طالباتها العشرين طفلة ولا أعلم لما لايقوم والد العشرين طفله بايصالهم إلى أقرب مدرسة بدلا ً من ان أقوم أنا بإيصال والدتي إلى أبعد نقطه لتصل من هناك مع سائق عمره فوق الستون سنه وزوجته ومجموعه من المدرسات إلى أبعد مدرسة .
عدت إلى المنزل وأيقظت اخواني وقمت بعادتي اليوميه حيث كنت امر في شارع الستين لأوصل اختي إلى مدرستها في حين شاهدت وجدان في الطريق المعاكس لي والتي كادت ان تخرج رأسها من النافذه لتلوح لي لولا ان أخوانها واختها الصغيرة كانو معي وفي حين عودتي مع نفس شارع الستيين شاهدتها مرة اخرى وهي تعود لتوصل اختها إلى المجمع التي تدرس به اختي والذي كان مجمعا ً لطالبات المراحل كلها بالاضافه إلى روضه ومعهد تمريض وفي حين كانت اختي تدرس هناك في المرحلة الابتدائيه كانت اختها هي تدرس هناك في المرحلة الثانوية ، وكنت اتمنى لو كان لدي زهرو في سيارتي لكنت ألقيت بها من نافذتي الى نافذتها وهي عائدة لتوصل اختها ومن ثم تعود لمدرستها هي ولم تكن سوى مسئلة أيام حتى أتيقن أنني سوف التقي بها كل يوم أربع مرات حين نتقاطع مرتين متتاليتين في الصباح ومرتين متتاليتين في الظهر بعد الخروج من المدرسة وكان هذا احد الامور الذي لا يجعلني اطلب ان اشاهدها كثيرا ً لأنني سألتقي بها كل يوم إن اردت او لم أريد فبطبيعة الحال مدينة الطائف صغيرة جدا ً جدا ً جدا ً
وصلت إلى المدرسة ودخلت الطابور الذي عادة ما ادخل إليه على نهاية التمارين الرياضية حين أسمع كل طلاب المدرسة يصرخون " سارعي للمجد والعلياء " وتننهي بطالب احمق يقول " عاش الملك للعلم والوطن طنططن " ، دخلت الى الصف وجلست بجانب شريف الذي قال لي هل هناك من اخبار فنظرت إليه بتعجب : ماذا تقصد ؟ فسألني عن اخبار الفتاة ، فقلت له كمحاولة مني لأن اجعله ينسى الموضوع لا خلاص عليه العوض ومنه العوض بعد ان فصل والدي الهاتف أظنها لن تتصل مجددا ً
كما أنني كنت واثق أنه سينسى المسئلة كلها لآنه لن يتمكن من مشاهدتها من جديد لآنها تنصرف بعدنا بقرابة النصف ساعه ماعدا يوم الاثنين الذي لن يتاح له الوقت فيه لكي يشاهدها كان اليوم هذه المرة يمر ببطء اكثر ربما لآني كنت متلهف اكثر للعودة الى المنزل والبقاء بجوار الهاتف الى الساعه الخامسة مساء ً وانتهى اليوم ببطء شديد وحينما كنت أنتظر في غرفتي تفاجئت بزيارة قريبي " محمود " وهو شخص ستعرفه حينما يقول عن أي شخص " فلان غريب حقا " أو حين يطلق ضحكته ههها ليقلد بها أحد ابطال افلام الكرتون وهي شخصية حسون المعروفه الذي كان يقول فيها " يـئـئا انا حسون المحتال " كان محمود يضحك بنفس الطريقة " ههها على مين انا محمود عطار " أتى محمود المفتون بجميع انواع اجهزة الكمبيوتر والأتاري وصخر والروايات المصرية التي كان له الفضل في أن أقراها من بعده وان احبها أيضا ً وبدأ محمود يقنعني للخروج معه للذهاب الى سوق البلد إلى محل ألعاب " شولق " لنشتري أشرطة فيديو وكمبيوتر وكنت أرفض طلبه وأقول له انني اليوم مشغول جداً وكان إصراره عجيب وظل يقول لي:
- ياخي انت من جد غريب ، يعني ايش عندك مشغول - محمود ، تكفى ترا اليوم مو رايق لك - طيب قلي ايش عندك وانا خلاص أروح - ياخي منتظر مكالمة مهمه - بنت - ايوة ياخي بنت - من جد - ايوة ياخي من جد - طيب خلاص ننتظرها مع بعض - نعم يا اخوي - والله ما ازعجك بس احط اذني على السماعه واسمع - محمود اقلب وجهك - طيب خلاص هيا متى بتتصل - مادري - ههها على مين أنا محمود عطار ياولدي - طيب أنعم واكرم - طيب متى بتتصل البنت - الساعه خمسة - خلاص طيب ننتظر الى الساعه خمسة ونص اذا ما اتصلت نروح اوك - اوك
اصبحت الساعه السادسة الا ربع ولم تتصل وجدان وأصر محمود على الخروج للذهاب الى السوق فقلت له سوف آخذ اللاسلكي معي الى الشارع فربما تتصل ونحن في طريقنا لنصعد السيارة فقال لي أنها لن تتصل ربما حصل لها ظرف ما وأن الساعه الان قاربت على السادسة فانسى الموضوع وافقت على شرط ان أضع الهاتف اللاسلكي قرب نافذة المنزل فلو وصلنا الى حوش المنزل ورن الهاتف فسوف نسمعه فقال لي على مضض موافق
نزلنا السلالم وبمجرد ان كدنا نخرج من باب حوش المنزل واذا بالهاتف يرن وبدأنا نركض للصعود ولا أعلم كيف شعرت ان محمود سوف يسبقني الى الهاتف وكانه هو الذي ينتظر البنت وليس انا وهذا كان واضحا ً جدا ً من طريقة ركضه وحماسه ولهفته وعيناه الفضولتان وحين وصلنا الى باب الغرفه كنت أريد أن ادخل وان اغلق باب غرفتي بالمفتاح ولكن محمود لم يمنحني ادنى فرصة بل حتى انه سبقني الى الهاتف وتسمر بجانبه وانتظر مني أن أجيب على الاتصال ....
كان عمرك أربعة عشر وكنت اقول لكي ان هناك نساء اجمل منك فكنتي تقولي ( فشر ) وكنتي تتعاملي معي بحب وبغضب كانت ايام لاتنسى وكانت ذنوب لاتغتفر وكنتي في نهاية كل سنه تطرقين بوابات السفر
اتعلمين لأول مرة أتذكر أنني لم ارى شعرك مجعدا في يوم ٍ من الايام كان دائما يلعب مع الريح ويتسابق مع الهواء
اتعلمين لأول مرة أتذكر أنني لم أرتدي قميصا وبنطالا معك طيلة لقائي بك طيلة تلك السنوات
لطالما كانت تتصل بي الكثير من الفتيات الساكتات ولكن هناك فرق كبير بين السكوت والصمت فلقد كنت اتنحنح بجوار الهاتف والتقط انفاسي من الركض ثم رفعت سماعة الهاتف وانا متأكد أنها ستكون هي ، وحين قلت " هلا " كنت لا أسمع سوى صوت أنفاسها المتقطعه والتي كانت وكما يبدو لي وكانها خائفه من اتصالها أو ان أحدا ً ما بجوارها وتخاف أن يسمعها أحد أو أن ينتبه لها أحد ، كان محمود يضع إذنه الكبيرة على الطرف الاخر من سماعة الهاتف ويتنفس بصعوبة وقال لي في إذني بصوت خافت : " شكلك متعرف على وحده بكمه " وخرج من الغرفه واختفى كل الحماس الذي أظن أنها لو تكلمت لقاتلني على سماعة الهاتف ولكن حمدا ً لله ولا اعلم يومها أي شاعر ٍ وأي متحدث ٍ لبق وأي فيلسوف ٌ بارع إستيقظ بداخلي حين بدأت اتكلم معها وكأنني أفسر كل صمتها وكأنني اعلم ماذا يدور في رأسها وقلت : أنا عارف إنك أنت ِ .. إنت ِ وبدأت أتحدث معها وكأنها تتكلم وأقول لها منذ متى وأنا أفكر فيا و ..
أنا أعلم أنك أنت ِ .. أنت ِ
ولو إستمر َ صمتك ُ ألف َ عام
وأعلم أنك ِ أنت ِ .. أنت ِ
ولو لم يكن لديك ِ القدرة ُ على الكلام
فلقد حدثني قلبي أن َ هذه ِ انت ِ
فـ يا أنت ِ
أنا مثلك ُ تمام ً
يقف ُ الكلام ُ على طرف لساني
وتتخابط الكلمات
فقولي لي مساء َ الخير
فربما تغرد العصافير ُ من فوق الأغصان
وأسئليني عن حالي
إسئليني متى نمت ومتى أستيقظت
فربما تفوح ُ من بين شفتيك ِ
رائحة ُ الأزهار
وبعدما كنت اتحدث معها وهي ساكته طوال عشرة دقائق قررت أخيرا ً أن تنطق وأن تتحدث وكان وقع كلامها على قلبي إدمانا ً من النوع الأخطر فمنذ أن تكلمت بدأت كل حواسي تعمل من جديد وكانها لم تكن لتعمل قبل هذا اليوم وكأن بداخل رأسي كان هناك شريط ُ تسجيل غير منتهي الأمد ويعمل بدون بطاريات ليسجل بحة صوتها " ونبرة صمتها " وطريقة ضحكتها وليفسر كل شيء ، كانت إدمانا ً خطيرا ً بالنسبة لي فربما يشفى مدمن الهيروين إن أمنتع عنه أو بدأ يتعالج بتناول العقاقير وربما يمتنع مدمن الخمر عن الشرب حين تصاب كبده بالتليف وربما يمنتع مدمنو الحشيش عن تعاطي السجائر حين يصابون بجلطة في القلب او بالتهاب رئوي وربما يقلع مدمن الانترنت إذا ما اشتريت له سيارة جديدة أو فاز بوظيفة مرموقة ولكن هذا الادمان بالذات لاتسطيتع ان تقلع عنه إلا بتوبة نصوحه إنه يشبه لدرجة كبيرة إدمان كرة القدم فرغم تغير اللاعبين ألف مرة في كل مباراة كرة قدم الا أن كبار السن مازالو يشجعون نفس الفريق وكان ولائهم للون الفلينة والتشيرت والحذاء وليس للاعبين الذين كانو يتقنون لعب الكرة أما هي فلقد جعلتني ادمنها بكل هذه الطرق وبدون توبة ، فلقد أدمنتها منذ الوهلة الاولى منذ نظرتها الاولى منذ بحتها الاولى منذ انقطعت ذلكالرصيف وهي تتجه نحوي منذ ان ابتسمت بخجل ومنذ ان اصبحت احلم بها واحتلم بها ومنذ ان كان عمري ستة عشر الى الان .
بدأنا نتحدث عن شعور كل منا نحو الاخر حين شاهدنا بعضنا في أول مرة وماذا كان انطباع كل منا على الاخر وثم بدانا نتحدث عن المطربين والمطربات المفضلين لي ولها وعن الممثلين والممثلات المفضلين لي ولها وعن ابرز الافلام و عن ماذا يتمنى أن يجد كل منا في الاخر من صفات واخلاق وطباع ، كان مطربنا المفضل في تلك الفترة من العمر هو " عمرو دياب " بلا منازع فلقد كان يتصدر قائمة المغنيين الخليجين كان بالنسبة لنا هو الأول وهو الأخير بلا شك خصوصا ً في أغنياته التي كنا نسمعها ليل نهار " مابلاش نتكلم في الماضي ، وضحكة عيون حبيبي ، والخ من الاغاني التي كان لها وقعها المميز " ومن ثم انتقلنا للحديث عن عبدالمجيد عبدالله وعن راشد الماجد اللذان لم نكن نحفظ للأول منهما سوى " رهيب والله رهيب ، وأحبك ليه أنا مادري " وكنا نحفظ لراشد أغنية " لف شرطان الذهب ، وما أبي أسمع رجاوي ، والله كريم " كنا نتحدث عن كل اغينة بالتفصيل ونسرد أغاني كل مطرب مفضل لنا ونردد أسماء أفلام كل ممثل مفضل لنا إلى أن باغتتني بهذا السؤال
- طيب ما قلت لي كم عمرك - الانسات أولا ً - بس انا سألت أول - طيب علشانك المرة هذه بس - والمرة الثانيه - لا المرة الثانيه علشاني انا - ههههه طيب قول كم عمرك - 16 - إن شاء الله العمر كله - وانتي كم عمرك - أنا 14 - ماشاء الله عمر الزهور يعني - شفت كيف - أقدر أشوفك الان - كيف - اقدر اشوفك الان - كيف تشوفني يعني - من الشباك من الباب من أي مكان بس اقدر ولا لأ - تقدر تجي بسرعه طيب - إيوة راح أدق لك بوري - أوكي لا تتأخر
لم اكن اعلم أننا مجانين لهذه الدرجة منذ اول مكالمة نريد أن نشاهد بعضنا الآخر من خلال النافذة نزلت إلى سيارتي سريعا ً وتفاجئت بقدوم حامد الذي كان يرتدي ترينق رياضة ويضع نظارة شمسية اشتراها من البقالة بـ 15 ريال والذي باغتني بسؤاله إلى أين ذاهب وانا أقول في نفسي : يالله مرة مو وقتك ياحامد رايح مشوار ضروري ، ولم أكن أعلم أن ملامح وجهي تفضحني الا حين ابتسم حامد وقال : والله شكلك رايح تقابل وحده يانذل نظرت إلى حامد بتعجب وكأنني أسئله كيف استطاع ان يعرف كل هذا دون ان يخبره احد فقال لي : الشياكة هذه كلها ورايح مشوار ضروري والله لا أجي معاك وامام اصرار حامد جعلته يركب معي على مضض واتجهت الى منزلها الذي كنت قد حفظته منذ اول مرة قمت فيها بلحاقها الى منزلها والذي يقع في حارة صديقي شريف ، وأنا متجه إلى هناك كان شريف وأخوانه الاثنين اللذان يكبرانه في العمر يقفون في الشارع ويغسلون السيارة الجديدة التي اشتراها لهم اخوهم الكبير وكان من البديهي جدا ً أن يدرك شريف أنني متجه إلى منزلها
وما إن وصلت إلى هناك وزمرت لها بالبوري مرتين حتى خرجت من النافذه بنصف جسدها وكانت ترتدي تشيرت أصفر فاقع اللون وشعرها كلها يتطاير خارج النافذة وكما انه كان باستطاعة اي أحد غيري ان يشاهد احمر الشفتين ذو اللون الاحمر الفاقع الذي وضعته سريعا ً قبل أن أتمكن من الحضور وكأني ساطير في الهواء وأصعد بمستوى موازي للنافذة لأشاهدها عن قرب قمت بالانعطاف مرة اخرى وعدت لأشاهدها مرة أخرى وانصرفت في حين كان كل عيال تلك الحارة يلعبون كرة القدم في الشارع ومنهم من اعرفه ومنهم من لا اعرفه ومنهم من يعيش حالة بطولة فلو انني قمت بالدوران مرة ثالثه نحو منزلها فربما تحصل مشاجرة كبيرة لان قوانين الحواري في تلك الايام كانت تنص على القيام بثلاث لفات فقط ولآن فرصة المضاربة والشجار قد لاتتكرر مرة اخرى وقد لاتحصل هناك جولة رابعه فقد تحصل مبكرا ً من القيام بأخذ جوله بالسيارة من المرة الثالثه
عدت إلى المنزل سريعا ً واعتذرت لحامد وقلت له انني لا بد لي من ان اتوجه الان الى المنزل لكي أقوم ببعض المتطلبات ولكن حامد لم يصدقني وقال لي وهو يبتسم : طيب ياحبيبي روح كلم ياعم مين قدك تركته وصعدت سريعا الى غرفتي وكان الهاتف يرن ، وبمجرد ان رفعت سماعة الهاتف بدات اقول لها من أين لكي بهذا الجمال وبدات أسخر من عيال حارتها ومن ثم سألتها عن الحوار الذي لم نكمله في الحديقه بخصوص مواعيد الاتصال واتفقنا على ان يكون كل يوم من الساعه الثانية ظهرا ً إلى االثالثه ومن ثم من الخامسة إلى السابعه ومن ثم من التاسعه إلى الحادية عشر ثم سألتني في خجل ...
سألتني في خجل إن كانت هي الانثى الأولى في حياتي وقلت على عجل
أجل
أنت ِ هي الأولى وعيناك ِ السبب وعيناك ِ مسئولة وملامحك اجمل ُ من العجب وصوتك أعذب من صوت ِ المطر وشفتاك ِ اجمل من ألوان ِ قوس قزح
سألتني في خجل ألم تحدث من قبلي النساء ألم يكن لك حبيبة ٌ حين َ كنت َ تلهو مع الصغار ألم تقع في غرام ابنة الجيران فقلت
إنك ِ أول ُ المعجزات وأن النساء َ من قبلك ِ ليسو نساء وأن كل ماكان و كان لم يكن سوى حماقة ُ أطفال وأنني أبدا ً لم يكن لي سواك ِ صديقات ولم تلاحق عيناي بنات َ الجيران
كنت كاذبا ً ياحبيبتي ولكنني لم أكن صادقا ً من قبل أجل لقد كذبت ولكن الله َ يعلم كم معك ِ صدقت
- محمد ممكن أسئلك سؤال - تفضلي - يزيد فضلك ، إنت َ مرتبط بعلاقة أو مع فتاة - لأ - يعني ماتعرف غيري بنات - بصراحة - اتمنى إنك تجاوبني بصراحه - أعرف صراحة كم وحده وكل يوم اتكلم معاهم واتغذى واتعشى معاهم واحيانا ً أفطر في الصبح معاهم وأحيانا أوصلهم المدرسة واحيانا ً ودي أرمهيم من الشباك - هههههههههه ومين يطلعو ان شاء الله - اهلي طبعا - ههههههههههههههه - طيب إنت ِ مرتبطه بأحد ، تحبي أحد ، تفطري مع أحد ولا توصلي أحد المدرسة - هههههههههههههههههههه ، إيوة أنا مثلك بالضبط - ياسبحان الله - يامحاسن الصدف
لم تكن سوى مسئلة أيام حتى تصبح هذه الفتاة الحدث الأهم في حياتي وكما قلت أنني أشاهدها في الصباح مرتين وبعد انتهاء المدرسة مرتين وأشاهدها من النافذة في العصر والمغرب والعشاء وأتحدث معها في اليوم عشرات الساعات ونتحدث عن أدق تفاصيل اليوم إبتداء ً منذ أن أغلقنا سماعة الهاتف إلى أن تتصل بي في اليوم التالي وأتحدث معها مجددا ً، نتحدث عن المدرسة وعن الطلاب وعن المعلمين بل أننا نتحدث عن أسماء المعلمين حين نسخر منهم فهي تقول لي أن لديها معلمة تشبه الانسة مينشن التي في مسلسل الاطفال سالي واطلقنا عليها لقب الانسة مينشن وبينما أنا أقول لها أن لدينا معلم أطلقنا عليه لقب سيلفر لآنه يسير بقدم واحده ولديه عكاز وهذا .. كنا نتحدث ونضحك ولم أذكر انها قالت لي في يوم من الايام عبارة جميلة سوى كلمة " وحشتني " التي كانت تقولها لي بين كل مكالمة هاتفية والآخرى والتي كانت تصنع يومي بها فأقول لها أنها " وحشتني موت " أما العبارات الاخرى مثل ( أحبك ، وأعشك والخ ) لم نلفظها أبدا ً وكنت أسمع صوت أخاها الصغير وهو يوبخها حين يقول لها ( إيوة من اول ماترجعي البيت تجري على التلفون طيب فسخي عبايتك في الاول ) وكم كنت أشعر بالغضب حينها وأبدأ في الاستهزاء به لسببين الأول هو أن لاتشعر بالاحراج من اخاها وهي تحدثني والثاني كي أسمع صوت ضحكتها الرقيقة التي كانت أيضا تصنع بها يومي .
بدأ أصدقائي يتضايقون مني بسبب قلة خروجي معهم وبسبب إنشغال هاتفي الدائم حتى انهم حين يحضرون إلى المنزل أطلب من أخوتي الصغار الاعتذار منهم وكثيرا ً ماكنت اكذب على أصدقائي باختلاق الاعذار والظروف إلى أن أتى ذلك اليوم المشئوم الذي انقطع فيه هاتفي عن الخدمة في الوقت الذي لم يكن يتوفر فيه لدي أي مبلغ لآقوم بسداده مما جعلني أفتقد صوتها وأفكر في طريقة لاجعلها تتصل برقم هاتفنا الآخر و كما أنني إلى الان لم أطلبها رقم هاتفها ولا أعرف كيف سأطمئن عليها أو كيف سأحدثها فأصبحت أشاهدها كل يوم ولكن لا أستطيع التحدث معها وبدأت أشعر بأن كل هذه الدنيا لا تسوى شيء بدون سماع صوتها إلى أن قررت مشاهدتها كل يوم والعودة الى نمط حياتي الطبيعي والذهاب الى الحديقة كل يوم ، ولم تكن سوى مسئلة أيام حتى تحول الطقس في مدينة الطائف إلى أجمل من رائع وبدات الحديقة تمتلئ كل يوم بمئات الفتيان والفتيات وأصبحت الهئية تمر من هناك كل يوم وكانها جولة تفقدية بل احيانا ً يقوم رجال الهيئة بوضه اللثمة على وجوهيهم ليقبضو على أي شاب هناك بذنب او بدون ذنب ويكون عذرهم دائم هي تلك اللوحات الموضوعه في كل مكان والمكتوب عليها " للعوائل فقط " وكل ذلك كان من شأنه أن يثير غضب فتيان الحديقة مما جعلهم يبتكرون أول خطة مقاومة للهيئة فحين كانت تقوم الهيئة بجولتها الاعتياديه أصبحو يصفرون لهم ويشتمونهم مما كان يؤدي إلى غضب رجال الهيئة ويجعلهم يتوقفون في أقرب مكان ويبدأون بالركض خلف هؤلاء الفتيان دون ان يعلمو ان هناك من سيذهب إلى سياراتهم ليمزق الكفرات ويرمي الزجاج بالبيض ويقوم برش السيارة ببخاخ أسود ، وكل ذلك كان من شأنه أن يثير غضب الهيئة بشكل أكبر فأحضرو سيارة جديدة وقام هؤلاء الفتيان بنفس الحيلة فأوقف رجال الهيئة السيارة مجددا ً وقامو بالركض خلفهم من جديد ولكن في هذه المرة كان هؤلاء الفتيان قد أصبحو أكثر خطورة فلم يكتفو بما فعلوه في المرة السابقة وقامو هذه المرة بسرقة السيارة وبصدمها في جدار الحديقة ظنا ً منهم أن رجال الهيئة سيخافون على سياراتهم ولن يعودو إلى هذه الحديقة مجددا ً ، فاضطرت الهيئة للقيام بأول حملة حرب على الحديقة ، مازلت أذكر ذلك اليوم جيدا ً ، كان في حوالي الساعه الخامسة مساء ً من يوم الخميس حين كنت مارا ً بسيارتي وشاهدت سيارة الفتاة التي أحبها فتوقفت على الفور وبدأت أفتش عنها في أرجاء الحديقة وعندما اقتربت منها ، كانت المفاجئة كبيرة جدا ً
كانت تتحدث مع احد فتيان الحديقة في حين شاهدتني وفزت من مكانها وقالت للشاب الذي تتحدث معه اهرب بسرعة وأشارت نحوي على انني اخاها الكبير ، وهرب ذلك الشاب في حين أنني لم اتقدم ولا خطوة واحده بل استدرت وعدت إلى السيارة وتركتها لضميرها بينما تركت ذلك الشاب يفكر ويركض ويظن انني ساقوم بلحاقه بسيارتي بينما أنا كنت لا أعلم إلى أين ساتجه وبمجرد أن صعدت إلى سيارتي وابتعدت ببضعة امتار عن الحديقة شاهدت سيارات الهيئة الجيب وهي تقوم بتطويق الحديقة بـ 12 سيارة جيب بمجر أن تقف يبدأ رجال الهيئة في الركض منها وهم يصرخون الله أكبر الله اكبر مما سبب حالة ذعر لدى بعض العوائل التي كانت تستمتع بوقتها هناك ومما أدى إلى ركض جماعي من كل فتيان الحديقة نحو الحارة وتحولت المطاردة من الركض بالاقدام الى اللحاق بالسيارات والحمد لله أنني كنت قد انصرفت وقتها ، والعجيب في الامر انني لم أقرأ خبرا ً واحدا ً يعلق على ماحصل في الحديقة سواء ً في القناة السعودية الاولى او في قنوات الاخبار أو في الصحف المحلية ولكن ظل الكثير من الفتيان يتحدثون عن الموضوع لفترة طويلة بل أن بعضهم أصبح هذه المرة يخاف حقا ً ويترك محفظته ومفاتيحه في السيارة او في المنزل ويأتي وهو متاهب للركض لايخشى ان يقع منه شيء ٌ وهو يركض ، وعلى كل حال كنت انا في ذلك اليوم أشعر بالحزن الشديد وكنت اريد ان أنفرد في مكان ما في نفسي ولا اعلم أين ولا ادري كيف وجدت نفسي فوق جبل المفتي لأطفئ سيارتي وافتح النوافذ وأخرج من تحت المقعدة علبة سجائري وكانت المرة الاولى الذي أشعر فيها حقا ً انني مدخن ربما لأنها المرة الاولى التي أستفيد منها من التدخين فقد شعرت وقتها أنني أحرق تلك السيجارة بدلا ً من أن أحرق نفسي وكل ذلك وانا افكر لماذا فعلت ذلك وهل تعلم من ذلك الاحمق الذي كانت تقف بجانبه انا مستعد ٌ لأن أقول لها تاريخ ذلك الأحمق منذ ان كانت والدته تصرخ من خلف باب الشارع لتجعلنا نحضرها له بينما كنا نلعب كرة القدم في الحارة بينما كان هو يركض في الشارع بدون ملابس باستطاعتي ان أخبرها بجميع الالقاب الذي اطلقها عليه عيال الحارة وبجميع المواقف التي تدل على أنه غبي بالفطرة ولكن مالفائدة من كل ذلك ربما لن تصدقني وربما ستظن انني أريد ان أشوه صورته لديها و من ثم بما إنها وافقت أن تتحدث معه ستتحدث مع الكثير وبدأت أقول لنفسي ربما ليست هذه هي الفتاة المناسبة لي وانه يتوجب علي أن اعاملها مثلما اعامل أي فتاة اخرى ولكني لا أستطيع لأني أشعر بحرق كبير في قلبي وأشعر أنني غاضب جدا ً لذا سأقوم بتجاهلها فقط ، واخبرت أصدقائي ماذا حصل لي والذين بدورهم قالو لي أن بإمكاني أن اتعرف على من هي أفضل منها وانها ليست الفتاة الاولى ولا الاخيرة وكما أنني طويل القامة وشعري طويل وستعجب بي اي فتاة أخرى ولكن يجب ان أتخلى عن مبادئي التي هي حماقاتي من وجهة نظرهم وأن لا أفكر في أن أتعلق بفتاة ما أو ان أسمح لها بدخول قلبي كي لا أعرض مشاعري للإيذاء كما حصل معي في حين قررت أنا ان لا أتعرف على أي فتاة اخرى وأن أظل صديقا ً فقط للفتيات اللواتي في الحديقة لبنات الجيران لأني من اليوم وصاعدا ُ كرهت الفتيات
ظل الأمر على ماهو عليه أنا وأصدقائي وصديقاتي في الحديقة وفي الحارة دون أن أورط نفسي في أن أحب ُ فتاة أخرى ، كنت أسمع وأشاهد مئات قصص الحب في الحارة والحديقة وكنت أظن أنني لن تتاح لي الفرصة في يوم من الايام لأعيش قصة حب بسيطة أو عنيفة او عظيمة وكنت كم أتمنى أنني لو كنت شاعرا ً أو كاتبا ً لأخرج كل ما ملئ قلبي من مشاعر وأحاسيس تجاه تلك الفتاة ولطالما حاولت أن أكتب قصيدة او خاطرة إسمها ( إلى فتاة أسمها وجدان ) ولكن للأسف كنت بمجرد أن أقوم بكتابة سطر أو سطرين اعود وأمزق تلك الورقة ولا ادري مالسبب هل لأنني لم اكن أجيد البوح عن مافي قلبي في ذلك الوقت أم هل لأنني كنت واقعا ً في حبها وفاشلا ً في التعبير أم لأن اسمها ليس " وجدان " أم لأن القصة لم تكتمل بعد ، كما أنه من غير العدل ان تكون أول تجربة لي على الورق أن أقوم بكتابات عبارات تدل على فتاة خائنة وبشعه الضمير ، ولم أكن أعلم حينها أنها لاتشبه أي فتاة في الحديقة وذلك ليس دفاعا ً عنها فكل الفتيات اللواتي كانو في الحديقة كانو من جنسيات سعودية او جنسيات اخرى كانو يا ( أبيض يا أسود لكن مش رمادي ) بينما هي رغم صغر سنها الا انها كانت تفوقهم في ثقافتها ولباقتها فهي من والد سعودي ووالدة من جنسية عربية اخرى وهي كثيرة السفر ولديها أصدقاء من جنسيات مختلفة من الفتيان او من الفتيات لقد كانت كما قال لي قريبي " يزن " تشبهني كثيرا ، فأنا لا أبكي وهي لا تبكي وأنا لدي صديقات وهي لديها أصدقاء وأنا أحبها فقط وهي تحبني فقط وأنا أنسان اجتماعي جدا ومجتمعي مفتوح وهي كذلك وكلانا يحب المنافسة كان سوء التفاهم الوحيد بيننا أنني أنا لا أريدها أن تكون مثلي وهي لاتريدني أن أكون مثلها ، كان بأمكانها أن تقوم بنقاش مع أي شخص تعرفه او تجهله وكانت سترد على كل معاكس بلباقة أما أن تقول له انصرف أو شكرا على الاطراء لكنني بانتظار محمد او تقوم بالتحايل عليه وذلك بأخذ رقمه ومن ثم تقول له انصرف وبمجرد أن يغيب عن نظرها تمزق الرقم أو تقابلني لتقول لي شوف هذا رقم صاحبك فلان تراه قبل شوي جا ورقمني وهذا الشيء الذي جعل كل فتيان الحديقة الذين يعرفوني لا يفكرون أبدا ً في معاكستها كي لايقعو من عيني إن علمت انا بذلك .
مر ذلك الفصل الدراسي سريعا ً جدا ً وكنت لمدة شهر ونصف الشهر أشاهدها في اكثر من مكان و كان يدور بيننا كلام ٌ طويل بلغة العيون أو دعونا نقول بحرب العيون ولكن هاتفي كان مفصول وكانت تتمنى لو ان هاتفي يعود لتقوم بالاتصال وتشرح موقفها الذي لم يروقني أبدا ً حين شاهدتها وكثيرا ً ماكنا نتقابل بقرب المدرسة فاوقف سيارتي بجانبها واغلق النافذة وأصطنع اني لا أراها كنت أريد أن أجعلها تشعر بالذنب كما اني كنت أكابر واعاند بشدة فأقسم بالله انني كنت أتمنى أنها لو قامت بإشارة بسيطه فقط لأفتح نافذتي واتحدث معها . وكثيرا ً ماكنت انظر الى عيناها من خلف النافذة وكاننا نترجى بعضنا الاخر كانت عيناي تقول لها كم انخدعت أنا بك ِ وكم انت ش خائنه وكم انت ِ مذنبة وكم وكم ... في حين كانت عيناها تقول لي كم أنت ظالم وكم أنت عنيد وكم انت احمق وكم نشبه بعضنا الاخر
وفي الأسبوع الثاني من اختبارات نهاية السنه وفي يوم الاثنين ( الاثنين مرة أخرى ) اتفقنا أنا وأصدقائي أنه لم يتبقى سوى يوم واحد لنهاية الاختبارات وأن المادة التي ستكون علينا في يوم الثلاثاء سهلة جدا ً فلما لا نذهب إلى الحديقة وبالطبع لم نمانع ولكن هذه المرة كنا نرتدي الثياب البيضاء والغطر البيضاء واحذية سوداء وكل منا يمسك بمسبحه في يده اليمنى بينما تلمع في يده اليسرى ساعة جميله وخاتم ، كان نزولنا الى الحديقه يشبه قدوم الابطال في الاقلام او في الفيديو كليب حين تعلم ان كل الفتيان عادو الى الحديقة وانك سوف تجد اياد من فرقته الراقصين بجانب تلك الرمانة التي تبيع العصير والحلوى والدخان والساندوتشات وتتجمع حلوها الفتيات وتحصل عمليات الترقيم الصغرى وبين بقية القربوات الاخرى التي كانت اما تقوم بالدوران بين العوائل وبقرب دورات المياه وبجانب العاب الاطفال بينما نحن كنا نسير فوق الرصيف الموازي تماما ً لمستشفى الامراض الصدرية ، وبينما كان يسير معي حامد ونادر وبندر توقفنا جميعا ً وأتسعت أعيننا على الاخر
فأمامنا بمسافة عشرين متر تقريبا ً او أكثر كانت هي واقفه هناك كانت تسير وعلى يسارها اختها الكبرى ثم الصغري وعلى يمينها كان يتزلج " رائد " ويقوم بمحاولة بدا حوار بسيط لكي يتمكن من خلاله ومن خلال استعراضاته البهلوانية وتزلجه الماهر ورشاقة جسده بينما انا كنت اتمنى ان لا امر من هنا ولكننا اندهشنا جميعا ً حين قالت لرائد : اهرب ولد عمي وراك وبدون ان يستدير رائد الى الخلف ويدرك ان لا احد ورائه سوايا انا واحامد وبندر ونادر الا انه قام بالانطلاق الى أن نظر خلفه
كان نادر يقول لي ان أذهب وأصفعها او ان اتفاهم معاها بينما انا كنت أقول لا هي فتاة خائنه فذلك اليوم شاهدتها مع شاب واليوم يسير بجوارها رائد وغذا لا اعلم من يكون ، فنظر الى بندر بدهاء وقال لي ( عين العقل تدري انت ولاتعبرها واعطيها ظهرك وامشي ) كان كل مايريده بندر أن يذهب هو لآن يتحدث معها وكانه وسيط سيصلح بين طرفين أو أنه مرسول غرام بينما كان حامد أكثرهم اقناعا ً حين قال لي : ( محمد فكر شوية البنت تبغى تتكلم معاك ولا ماكان قالت لرائد حط رجلك ولد عمي وراك روح شوف ايش تبغى ) كان كلام حامد مقنعا ً جدا ً وهو يقول لي هذه الجمله ويدفعني لان اتجه نحوها وبمجرد ان شاهدتني هي وانا متجه اليها وأصدقائي يدفعوني لكي أسير اليها طلبت من اخواتها أن لا يلحقو بها واخترقت الاشجار الصغيرة التي كانت بجوار الرصيف وانا بدوري قمت بالعبور من خلال تلك الاشجار التي ظننا انها ستكون جدار كبير أو حصن منيع و أنه لن يشاهدنا أحد ونحن نقف هناك وانا كذلك لم أكن اتوقع الا انه لن يشاهدنا أحد ، في حين ان منظر رائد وهو يركض بالزلاجات لفت نظر جميع فتيان وفتيات الحديقة وعودته الى نفس المكان الذي هرب منه كان كفيلا ً بان يجعل كل من في الحديقة يركضون خلفه بعد ان اخترق هو واصدقائي وصديقاتي ومن لا اعرفهم وذلك السكران الذي لأول مرة ولحالة هي الاولى من نوعها يتنازل ويهبط من فوق الخزان ليقترب ويشاهد ماذا يحصل خلف تلك الاشجار .
ربما قد تشاهدون بعض المواقف على شاشة التلفاز والتي مع مرارها وتكرارها ستكون مملة ولكن إن شاهدت تلك المواقف لأشخاص تعرفهم قد يدفعك الفضول لتتابعها بنهم ولترسخ في الذاكرة ، ومثلما جرت عادات الناس بأن يطلقون عبارة ً ما على شخص ما بسبب موقف ما فتجد أن الناس يطلقون لقب " فتاحة العلب " على من يستطيع أن يفتح غطاء علبة البيبسي بأسنانه أو يطلقون لقب " السنجاب على من تكون أسنانه الامامية بارزة أو يطلقون لقب " الدباسة " أو " الخرامه " على شكل أسنان رجل ما أو موقف مضحك , وكما قال لي أحد أصدقائي في يوم من الايام " خذ الحكمة من أفواه المجانين " قال لي أيضا " السكران لايكذب " فعلا ً السكران لايكذب والدليل على ذلك هو صديقنا السكران الذي لم يكذب ولا مرة منذ صعوده فوق الخزان فكل مرة كان يصرخ بها " كبسة أو حكومة أو هيئة " كان صادقا ً وأيضا ً هناك أشياء كثيرة تدل على الصدق ربما الدموع مثلا ً وربما الصمت وربما الغضب وربما فرط الحماس وربما قبلة صادقة.
سارت وجدان أمامي ولم يكن يباعد بيني وبينها سوى عشرة امتار والتي كانت تحاول أن تسبقني لتبحث عن مقعد يتسع لنا نحن الاثنين ولم يكن في تلك البقعة سوى مقعدين كل مقعد منهما يتسع لشخصين وكلا المقعدين يبعد عن الاخر مسافة عشرة امتار ولكن من سوء الحظ كان يجلس رجل وامرأه على أحد المقاعد والذي من سوء الحظ هو نفسه الرجل الذي شاهدني مع زوجته التي تعرفني جيدا ً حين جلست للمرة الاولى مع " وجدان " في الحديقة ، فقررت وجدان الوقوف في مكانها ونظرت خلفها واذا انا على بعد بضعة امتار منها مما جعلها تدير نفسها الى الامام مرة أخرى وتبقى في وضع السكوت إلى أن أصبحت خلفها تماما ً.
لا أدري كيف انقطعت كل تلك الأصوات وكانه لم يبقى في الحديقة سوانا وخيم الهدوء على كل شيء وكان الحديقة باكملها سكتت من اجلنا بما فيها من فتيان وفتيان واطفال واشجار ورياح وعصافير ودراجات وسيارات ، كل الاصوات التي كان بإمكانها أن تصدر فضلت ان تصمت احتراما ً لنا ، ليست الأصوات فقط من احترمتنا بسكوتها في تلك اللحظة بل الأضواء أيضا ً ، لا أعلم كيف أصبحت عيناي لاتشاهد سواها وهي تقف امامي وتدير لي ظهرها والهواء يحاول ان يسرق منها عبائتها ليظهر لي ماتحت تلك العباءة من ملابس ، حينها فقط أصبحت لا أسمع شيئا سوى انفاسها ولا أرى أحدا ً في الحديقة سواها ولا أشعر بالهواء الذي يقف بيننا وكأننا فوق مسرح ٍ كبير وكل الاصوات سكتت وكل الاضواء انطفت وحبس الجمهور انفاسهم
ادركت وقتها كيف باستطاعة أي شخص أن يحبس غضبه الى أن يشاهد غريمه او من تسبب له بكل هذا الغضب حين صرخت بلا شعور وشعرت ان جسدها يهتز معي وان اقدامها تنتفض في مكانها حين قلت لها وبصوت عال ٍ :
( مين هذا ، أكيد معجب جديد ، وياترى كم صار عدد المعجبين بحضرتك الى الان باستثنائي طبعا ، وطبعا ماراح يفرق معاكي إني اكون من ضمن فريق المعجبين أو اكون الواحد قبل المائة أو الواحد بعد المائة ولا أقلك شكلي انا من تنطبق عليه المقولة اللي تقول ناقص واحد )
بقيت وجدان ساكتة في حين ان سكوتها زاد من غضبي فأصبحت أقول لها ( ليش ماتردي مو عاجبك الكلام ولا ماعندك رد ) ولم ترد ايضا ً مما جعلني أرفع صوتي اكثر وأقول لها ( ليش ماتردي ، طالعي فيه لما أكلمك ) وقمت بضربها بيدي على كتفها ولكنها لم تتحرك وقمت بضربها مرة اخرى وأنا اصرخ ( ليش ماتردي ) وأيضا ً لم ترد وجن جنوني حينها فأمسكت كتفيها بيدي لأحاول أن أديرها ليصبح وجهها في وجهي فانا لم اعتد على أن أخاطب رجلا او إمراة وهو يدير ظهره لي وحين حاولت بادارتها بيدي كانت تقاومني بقوة و سمعتها تشهق في تلك اللحظة لم أفسر تلك الشهقة سوى انها قد تبدأ في البكاء ولا أعلم هل كانت تلك رومانسية مني او ضعف حين جعلت يدي تمر مابين خذها ورقبتها لكي تلامس أصابعي خدها الصغير وأديرها نحوي وأنا أضع بقية يدي على ذقنها وأقول لها في نفس الوقت ليش ماتردي حبيبتي
اتت كلمة حبيبتي - التي كنت مصمم ان لاتخرج من فمي حتى أسمعها منها - في الوقت الذي كانت تتمنى به ان تسمع هذه الكلمه فحين ادرت وججها نحوي وجدته مغمضة العينين وترفع رأسها نحو الاعلى ببطء وفي طرف عيناها دمعه صغيرة ترفض الخروج انا لم أشاهدها من قبل بها القرب وبهذه المسافة التي لا يفصلها سوى الهواء وبهذا الجمال وبهاتين العينان المغمضتان وبهاتين الشفتان التي كان شكلها يقول أما الان أو فلا
ولا أدري كيف وضعت يدي اليمنى فوق كتفها الايمن و وضعت يدي اليسرى على خضرها وجعلتها تقترب مني اكثر واقتربت أنا بدوري منها أكثر لأضع شفتي ببطء شديد فوق شفتاها الحمراء ولتكون القبلة التي استغرقت ربما 3 دقائق كاملة وربما كانت لتطول اكثر لولا لم يوقظنا ذلك السكران وهو يصرخ : يا KING ياكينق والله انك كينق مما جعل بقية من يشاهد يصفق ويصفر واحمرت خدود وجدان ووضعت يدها على صدري لتدفعني عنها قليلا ً ونظرت الى الناس الذين يشاهدوننا وقالت لي وهي تعد اصابعها وكأنها تحاول أن تتذكر شيئا ً ما ( إسمع رقم التلفون حقنا ......7495 أمانة بكرة تتصل علي الساعه عشرة ونص انتظرك ) فأعدت لها الرقم لتتأكد من انني حفظته فعلا ً وهربت وسط تصفيق وتصفير الناس ووسط ذهول ذلك الرجل والمرأة اللذان يعرفان من اكون واتجهت نحو الرصيف الاخر لتدخل بين العائلات كي لايعرف أحد من تكون هي ، بينما أنا استدرت لآعود لأصدقائي ليستقبلني وهو يصرخ ياكينق والله انك كينق ، ورائحة العرق تفوح من فمه وانا ابتسم له ولا اعرف ماذا اقول وخلفه مجموعه من اصدقائي ومن اشخاص لا اعرف من يكونون اقتربو مني ليقولون سلام ياكينق وكيفك ياكينق واعتقد انهم لم يكونو يعلمون معنى كلمة كينق التي اصبحت ملازمة لي طوال تلك الفترة .
كنت أعيش في حالة من الصمت وأشعر أن الهواء يملئ رئتي وأشعر ببعض الانتعاش وببعض الفرح وكانني انتصرت في معركة طويلة وذقت طعم الفوز أخيرا ً بينما كان أصدقائي يصرخون في محاولة منهم لن أقول لهم عن الحوار الذي دار بيننا وماسبب ضربي لها بيدي على كتفها وقلت لهم أنني الان لست مستعدا ً للخوض في أي حديث ولا للاجابة عن أي سؤال واقترحت عليهم ان يؤجلو اسئلتهم الى ما بعد وان نذهب لنتناول طعام العشاء ، في حين قالو بصوت واحد يعني انت اليوم عازمنا على العشاء ؟!
ونحن في اتجاهنا لنصعد الى السيارة كان ذلك السكران قد قرر صعود الخزان ليلقي محاضرته الاولى والتي بعنوان " قبلة الكينق " وكيف أنه شاهد الناس يركضون وخاطر بنفسه ونزل من فوق الخزان ومعه قارورة العرق وكان يفصل بين تلك القصه القصيرة الذي جعل منها عدة مشاهد ينتهي كل مشهد فيها ينتهي بان يرفع قارورته الى الاعلى ويقول : في صحة الكينق ويردد خلفه المستمعون الذين ياكلون البطاطس بالكاتشاب : في صحة الكينق
ذهبنا لنتناول العشاء في مطعم عصيمي برجر الموجود بسوق جمعه والذي كان يعتبر بمثابة بروست البيك وجلس الجميع يتحاورون حول احداث قصة اليوم بينما كنت انا انظر اليهم واحاول ان ارفض فكرة تناول طعام العشاء كي لا يزول طعم تلك القبلة من بين شفتي اللتان أحببتهما من تلك اللحظة .
وفي اليوم التالي كنت قد عدت الى المنزل في حوالي الساعه العاشرة صباحا ً بعد أن كنت قد انهيت اختباري الاخير للفصل الدراسي الثاني لمرحلة الصف الاول ثانوي وكم كنت متلهفا ً لكي ارفع سماعة الهاتف الخاص باهلي وان أقوم بالاتصال بها ....